عمر فروخ

78

تاريخ الأدب العربي

شعر به . إن الطبع والسجية والبساطة والصدق تتمثل كلها في قول عنترة يخاطب عبلة : ولقد ذكرتك والرماح نواهل * مني وبيض الهند تقطر من دمي ؛ فوددت تقبيل السيوف لأنها * لمعت كبارق ثغرك المتبسم ! ( د ) القول الجامع - كانت الصفة الغالبة على الشعر الجاهلي انه « شعر وجداني » ، من أجل ذلك كان معرضا للآراء المفردة أكثر منه معالجة مستفيضة لشؤون الحياة . ولقد مال العرب عموما والجاهليون خصوصا إلى استجماع القول حتى كان البيت الواحد من الشعر يجمع معاني تامة ، وحتى جعل الأقدمون يفتخرون بذلك . وقد أعجب النقاد بقول امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل ، وقالوا : انه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في بيت واحد ! ( ه ) الإطالة والاستطراد - وكان يحمد في الشاعر الجاهلي ان يكون « طويل النفس » أي ان يطيل القصائد . وقد يخرج الشاعر أحيانا عن الموضوع الأساسي إلى موضوعات تتعلق به من قرب أو من بعد ، وهذا يسمّى الاستطراد . وقد أثر عن الجاهلية مقطعات قيل إن أكثرها كان في الأصل قصائد طوالا ثم نسي بعضها . ومع العلم اليقين ان الشاعر الجاهلي نظم مثل هذه المقطعات ابتداء ، فان الغالب على طبع الجاهلي انه كان يميل إلى إطالة القصائد . ( و ) الخيال - وإذا كان اتساع أفق الصحراء قد أدّى إلى اتساع خيال الشاعر الجاهلي ، فان هذا الشاعر الجاهلي كان فطريا بسيطا كبيئته . ولعلك لا تستغرب إذا علمت أن الشعراء الذين اتصلوا بالحضر كالأعشى وامرئ القيس والنابغة كانوا في خيالهم أوسع وأعمق وأدق كما ترى في معلقة امرئ القيس عند الكلام على البرق والمطر والسيل وعلى النبات الذي هاج بعد ذلك المطر . ولا ريب في أن الخيال في الجاهلية كان لا يزال يعتمد على التشابيه والاستعارات أكثر من اعتماده على انتزاع الصور من الطبيعة .